فخر الدين الرازي
638
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السائل ، كالغور بمعنى الغائر ، والمعنى اندفع عليهم واد بعذاب ، وهذا قول زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد قالا : سال واد من أودية جهنم بعذاب واقع . أما سائِلٌ ، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز فيه غير الهمز لأنه إن كان من سأل المهموز فهو بالهمز ، وإن لم يكن من المهموز كان بالهمز أيضا نحو قائل وخائف إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين ، وقوله تعالى : بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ فيه وجهان ، وذلك لأنا إن فسرنا قوله : سَأَلَ بما ذكرنا من أن النضر طلب العذاب ، كان المعنى أنه طلب طالب عذابا هو واقع لا محالة سواء طلب أو لم يطلب ، وذلك لأن ذلك العذاب نازل للكافرين في الآخرة واقع بهم لا يدفعه عنهم أحد ، وقد وقع بالنضر في الدنيا لأنه قتل يوم بدر ، وهو المراد من قوله : لَيْسَ لَهُ دافِعٌ وأما إذا فسرناه بالوجه الثاني وهو أنهم سألوا الرسول عليه السلام ، أن هذا العذاب بمن ينزل فأجاب اللّه تعالى عنه بأنه واقع للكافرين ، والقول الأول وهو السديد ، وقوله : مِنَ اللَّهِ فيه وجهان الأول : أن يكون تقدير الآية بعذاب واقع من اللّه للكافرين الثاني : أن يكون التقدير ليس له دافع من اللّه ، أي ليس لذلك العذاب الصادر من اللّه دافع من جهته ، فإنه إذا أوجبت الحكمة وقوعه امتنع أن لا يفعله اللّه وقوله : ذِي الْمَعارِجِ المعارج جمع معرج وهو المصعد ، ومنه قوله تعالى : وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ [ الزخرف : 33 ] والمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : قال ابن عباس في رواية الكلبي : ذِي الْمَعارِجِ ، أي ذي السماوات ، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها وثانيها : قال قتادة : ذي الفواضل والنعم وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب ، وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة وثالثها : أن المعارج هي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة ، وعندي فيه وجه رابع : وهو أن هذه السماوات كما أنها متفاوتة في الارتفاع والانخفاض والكبر والصغر ، فكذا الأرواح الملكية مختلفة في القوة والضعف والكمال والنقص وكثرة المعارف الإلهية وقوتها وشدة القوة على تدبير هذا العالم وضعف تلك القوة ، ولعل نور إنعام اللّه وأثر فيض رحمته لا يصل إلى هذا العالم إلا بواسطة تلك الأرواح ، إما على سبيل العادة أو لا كذلك على ما قال : فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً [ الذاريات : 4 ] ، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [ النازعات : 5 ] فالمراد بقوله : مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ الإشارة إلى تلك الأرواح المختلفة التي هي كالمصاعد لارتفاع مراتب الحاجات من هذا العالم إليها وكالمنازل لنزول أثر الرحمة من ذلك العالم إلى ما هاهنا . [ سورة المعارج ( 70 ) : آية 4 ] تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن عادة اللّه تعالى في القرآن أنه متى ذكر الملائكة في معرض التهويل والتخويف أفرد الروح بعدهم بالذكر ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] وهذا يقتضي أن الروح أعظم [ من ] الملائكة قدرا ، ثم هاهنا دقيقة وهي أنه تعالى ذكر عند العروج الملائكة أولا والروح ثانيا ، كما في هذه الآية ، وذكر عند القيام الروح أولا والملائكة ثانيا ، كما في قوله : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا وهذا يقتضي كون الروح أولا في درجة النزول وآخرا في درجة الصعود ، وعند هذا قال بعض المكاشفين : إن الروح نور عظيم هو أقرب الأنوار إلى جلال اللّه ، ومنه تتشعب أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح ، وبين الطرفين معارج مراتب الأرواح الملكية ومدارج منازل الأنوار القدسية ، ولا يعلم كميتها إلا اللّه ، وأما ظاهر قول المتكلمين وهو أن الروح هو جبريل عليه السلام فقد قررنا هذه المسألة في